الذهبي
93
سير أعلام النبلاء
وصار الناس اليوم في الدنيا إلى خمسة مذاهب ، فالخامس : هو مذهب الداوودية . فحق على طالب العلم أن يعرف أولاهم بالتقليد ، ليحصل على مذهبه . وها نحن نبين أن مالكا رحمه الله هو ذلك ، لجمعه أدوات الإمامة وكونه أعلم القوم . ثم وجه القاضي دعواه ، وحسنها ونمقها ، ولكن ما يعجز كل واحد من حنفي ، وشافعي ، وحنبلي ، وداوودي ، عن ادعاء مثل ذلك لمتبوعه ، بل ذلك لسان حاله ، وإن لم يفه به . ثم قال القاضي عياض : وعندنا ولله الحمد لكل إمام من المذكورين مناقب ، تقضي له بالإمامة ( 1 ) . قلت : ولكن هذا الامام الذي هو النجم الهادي قد أنصف ، وقال قولا فصلا ، حيث يقول : كل أحد يؤخذ من قوله ، ويترك ، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم . ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقها ، وسعة علم ، وحسن قصد ، فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله ، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير
--> ( 1 ) راجع الفصل الذي كتبه القاضي عياض في " ترتيب المدارك " 1 / 89 ، 102 في ترجيح مذهب الامام على غيره من الأئمة ، فإنك ستعلم أن الإمام الذهبي كان محقا في تعقبه ونقده في مواطن من كلامه ، فقد كتب هذا الفصل يدافع التعصب المقيت الحامل على الغلو والاطراء في المدح ، وإضفاء صفة الكمال والعصمة لغير من هي له ، ونسبة أقوال إلى غيره من الأئمة لا تصح عنهم ، يلزم عنها الطعن فيهم والنبيل منهم ، فالامام مالك رحمه الله مع كونه صاحب فضل وعلم ، واجتهاد وورع ، هو كغيره من الأئمة المجتهدين ، يصيب ويخطئ ، فإن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ ، فله أجر واحد ، وقد انتقده غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما في أكثر من مسألة وبينوا أن الصواب في غير ما ذهب إليه ، وذلك مدون في مظانه من كتب الخلاف ، وجاء في " حلية الأولياء " 6 / 323 عن سعيد بن سليمان قال : قلما سمعت مالكا يفتي بشئ إلا تلا هذه الآية : ( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) ولست أشك في أن الامام مالكا لو رأى الذي كتبه القاضي عياض لتبرأ منه ، وأنحى بالأئمة عليه .